نيويورك — تستحضر باني دوغال بدايات عملها في الجامعة البهائيّة العالميّة قائلةً: ”في منتصف تسعينيّات القرن الماضي، حين التحقتُ بالجامعة البهائيّة العالميّة، كانت بياناتها تتناول في معظمها القضايا على مستوى المبدأ.“ وتُضيف: ”ومع مرور الوقت، طوّرت الـBIC قدرتها على الاستناد إلى خبرة متنامية مستمدة من مجتمعاتٍ في أنحاء العالم تُجسّد تلك المبادئ على أرض الواقع.“
وتتابع: ”وهذا ليس سوى واحد من التغيّرات العديدة التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية.“
ويمثّل ختام خدمة السيدة دوغال في مكتب الجامعة في نيويورك مناسبةً للتأمّل في تطوّر انخراط هذا المكتب في الحوارات على المستوى العالمي.
منذ عام 1948، دأبت الجامعة البهائيّة العالميّة على الإسهام في الحوارات على الساحة العالمية بوصفها طرفًا في المسعى الجماعيّ للإنسانيّة نحو عالمٍ أكثر عدلًا وسلامًا. وعلى الرّغم من ضيق المجال المتاح في العقود الأولى أمام مشاركة المجتمع المدنيّ مشاركةً فاعلةً في المنتديات العالمية، فقد اتّجهت الـBIC، منذ البداية، إلى ترسيخ التّعاون، وإتاحة المجال لتلاقي الرّؤى المتنوّعة في حيّز الحوار، وصياغة تصوّراتٍ تنبع من الإيمان بأنّ الإنسانيّة أسرةٌ واحدة، وأنّ شؤونها ينبغي أن تُنظَّم بما يعكس هذه الحقيقة. وتشير السّيّدة دوغال إلى ما ينطوي عليه هذا الإدراك من دلالةٍ عمليّة بقولها: ”إنّ التّحدّيات الّتي يواجهها العالم—من التّفاوت الحادّ بين الغنى والفقر، إلى أوجه عدم المساواة، إلى النّزاعات—لا يمكن معالجتها في عزلةٍ بعضها عن بعض، ولا بمعزلٍ عن القدرات الأخلاقيّة والرّوحيّة لدى الشّعوب والمجتمعات المعنيّة بها.“
في هذا الإطار من العمل، انضمّت
السّيّدة دوغال إلى مكتب نيويورك عام 1994. وعلى مدى ثلاثة عقود—شغلت خلالها منصب الممثّلة المناوبة، ثم مديرة مكتب النّهوض بالمرأة، ومنذ عام 2003 الممثّلة الرّئيسيّة—شهد انخراط الجامعة البهائيّة العالميّة في فضاءات الأمم المتّحدة وغيرها من المحافل الدّوليّة عمّقًا ملحوظًا، سواء من حيث المضمون أو من حيث أسلوب إسهامها.
وقد تجلّى هذا التّطوّر عبر طيفٍ من القضايا. فعلى سبيل المثال، في مؤتمر بكين للمرأة عام 1995، عملت الجامعة البهائيّة العالميّة جنبًا إلى جنب مع منظّماتٍ أخرى وعددٍ من الحكومات، ولا سيّما من إفريقيا، لإبراز أهمّيّة إدراج قضية ”الطّفلة“ ضمن جدول أعمال المؤتمر. وتستذكر السّيّدة دوغال قائلةً: ”كان لدى بعض الدّول الأعضاء انطباعٌ بأنّ قضية الطّفلة قد جرى تناولها بالفعل من خلال هيئاتٍ مثل اليونيسف، غير أنّنا تمكّنّا، بالتّعاون مع آخرين، من الإسهام في إبراز هذه القضيّة.“
وقد أسهم هذا الجهد في اعتماد قسم خاص متعلّق ”بالطّفلة“ بوصفه المجال الحاسم الثّاني عشر ضمن مجالات الاهتمام في مؤتمر عام 1995. وبعد سنوات، شاركت الجامعة البهائيّة العالميّة في قيادة مبادرة إصلاح هيكل المساواة بين الجنسين، وهو ائتلافٌ ضمّ أكثر من 275 منظّمة في 50 بلدًا، وأسهمت جهوده في إنشاء هيئة الأمم المتّحدة للمرأة عام 2010.
وقد تبلور جانبٌ كبير من انخراط الجامعة البهائيّة العالميّة المستمرّ في النّهوض بالمرأة من خلال لجنة وضع المرأة في الأمم المتّحدة، حيث شغلت السّيّدة دوغال أيضًا منصب رئيسة لجنة المنظّمات غير الحكوميّة. وعندما بدأت حضور دورات هذه اللّجنة في منتصف تسعينيّات القرن الماضي، كانت تُعدّ منتدى حكوميًّا دوليًّا محدود النّطاق نسبيًّا. ثمّ ما لبثت، على مدى العقود التّالية، أن أصبحت من أكبر المؤتمرات السّنويّة في الأمم المتّحدة، تستقطب آلاف المشاركين من المجتمع المدنيّ، ومئات الفعاليّات الموازية كلّ عام.
وتقول السّيّدة دوغال: ”لقد شهدتُ تطوّر لجنة وضع المرأة من إطارٍ أكثر تقاربًا، كان المندوبون يعملون فيه عن كثب على مسائل متعلقة بالسّياسات، إلى فضاءٍ أوسع بكثير.“ وتُضيف: ”وقد دلّ هذا النّموّ على اتّساع الإدراك بأنّ المساواة بين الرّجال والنّساء تُعدّ عنصرًا محوريًّا في كلّ أبعاد التّقدّم الإنسانيّ.“
وفي عام 2025، بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على مؤتمر بكين، أصدرت الجامعة البهائيّة العالميّة كتابًا بعنوان ”في شراكةٍ كاملة: ثلاثون عامًا من النّهوض بالمرأة في الأمم المتّحدة وما بعدها“، وهو عملٌ يجمع ما طُرِح على مدى ثلاثة عقودٍ من بياناتٍ ورؤًى من خلال مشاركتها في أعمال اللّجنة.
وتقول السّيّدة دوغال في حفل إطلاق الكتاب في نيويورك: ”لقد ظلّ موضوع النّهوض بالمرأة قريبًا من قلبي طوال سنوات عملي في الجامعة البهائيّة العالميّة.“ وتُضيف: ”ومن المُرضي أن نرى كيف دأبت الـBIC على تناول هذه القضايا باستمرار، عامًا بعد عام.“
شكّلت قضايا الحوكمة العالميّة محورًا أساسيًّا آخر امتدّ طوالفترة خدمة السّيّدة دوغال. ففي عامها الأوّل، أصدرت الجامعة البهائيّة العالميّة بيان ”نقطة تحوّل لجميع الأمم“ بمناسبة الذّكرى الخمسين لتأسيس الأمم المتّحدة. ومع مطلع الألفيّة، شاركت الـBIC في رئاسة منتدى الألفية—وهو تجمع ضمّ أكثر من 1,350 منظّمةً من المجتمع المدنيّ في الأمم المتّحدة—وكان ممثّل الجامعة الصّوت الوحيد للمجتمع المدنيّ الّذي خاطب أكثر من 150 من قادة العالم المجتمعين في قمّة الألفيّة.
وتستذكر السّيّدة دوغال قائلةً: ”بعد المؤتمرات الكبرى للأمم المتّحدة في تسعينيّات القرن الماضي، بدأ المجتمع المدنيّ ينخرط بفاعليّة في ما بدا وكأنّه مرحلةً جديدةً.“ وبعد مرور ثلاثة عقودٍ على بيان ”نقطة تحوّل لجميع الأمم“، وقبيل انعقاد ”قمّة المستقبل“ عام 2024، أصدرت الجامعة البهائيّة العالميّة بيان ”احتضان التّرابط المتبادل“. وفي عام 2025، أسهم ممثّلوها في تيسير منتدى المجتمع المدنيّ خلال القمّة العالميّة الثّانية للتّنمية الاجتماعيّة في الدّوحة، وذلك بعد ثلاثين عامًا على انعقاد القمّة الأولى في كوبنهاغن.
وتقول السيدة دوغال: ”السؤال الذي كنّا نعود إليه مرارًا كان يتمحور حول ما إذا كانت هياكل التّعاون الدّوليّ قادرةً على أن تتجاوز مجرّد موازنة المصالح المتنافسة، لتتّجه نحو ترتيباتٍ تعكس على نحوٍ حقيقيّ ترابط الإنسانيّة.“
”إنّ حجم التحديات العالمية وتعقيدها يتجاوزان بوتيرةٍ متسارعة تطوّر النُّظم المصمّمة للاستجابة لها.“ ومن منظور الجامعة البهائيّة العالميّة، ينطلق الأمر من سؤال الهويّة. وتقول السّيّدة دوغال: ”إذا كنّا نرى أنفسنا حقًّا أسرةً إنسانيّةً واحدة، فلا بد أن تعكس النُّظم التي نقيمها هذه الحقيقة. وهذا الفهم لهويّتنا هو ما شكّل مجمل إسهام الجامعة في هذه الحوارات.“
وعلى مرّ السّنوات، أسهمت الجامعة البهائيّة العالميّة كذلك في الحوارات الدولية المتعلّقة بالسلام والأمن، ورفاه الأطفال، وحقوق الإنسان، وحرية الدين أو المعتقد، ودور الدين في المجتمع، والتنمية المستدامة، وعلاقة الإنسانية بعالم الطبيعة، والشباب، إلى جانب قضايا أخرى. كما لفتت الانتباه إلى اضطهاد البهائيّين، ولا سيّما في إيران، من خلال تقارير وبياناتٍ وانخراطٍ مستمرّ أسهم في عرض هذه الحالة على مجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتّحدة والجمعيّة العامّة.
وعبر هذه المجالات من العمل، لم تقتصر إسهامات الجامعة البهائيّة العالميّة على الطّروحات المتّصلة بالسّياسات، بل امتدّت لتُثير تساؤلاتٍ أعمق: ما طبيعة العلاقات الكامنة، والقدرات، والأنماط الثقافية التي تُمكّن من تحقّق العدل والمساواة في الأساس؟
وتُشير السّيّدة دوغال إلى أنّ من السّمات المميّزة لنهج الجامعة البهائيّة العالميّة أنّه لم يقتصر على مضمون هذه الحوارات فحسب، بل أولى عنايةً كذلك بطابعها. وتقول: ”كان أحد أوجه مساهماتنا يتمثّل في مستوى العمليّة ذاتها—في كيفيّة تصميم المبادرات، والافتراضات الّتي تقوم عليها، والطّريقة الّتي يُنصت بها النّاس بعضهم إلى بعض ويتعاملون فيما بينهم—إذ تبيّن لنا أنّ نوعيّة هذه العناصر تُحدّد، في نهاية المطاف، ما يمكن أن تُفضي إليه أيّ محادثة.“
على مرّ السّنوات، أصبح مكتب الجامعة البهائيّة العالميّة في نيويورك فضاءً يلتقي فيه دبلوماسيّو الدّول الأعضاء في الأمم المتّحدة، وقادة المجتمع المدنيّ، ومسؤولو الأمم المتّحدة، لمناقشة قضايا معقّدة ضمن أجواء يسودها الاحترام الصّادق وروح التعاون. وتقول السّيّدة دوغال: ”في أكثر من مناسبة، تحدّث شركاؤنا في المجتمع المدنيّ أو في الحكومات عن مساعيهم لتطبيق مقارباتٍ مماثلة في فعاليّاتهم.“ وبالنّسبة إلى كثيرٍ من المشاركين، أصبحت هذه اللّقاءات مساحاتٍ يبرز فيها إمكان تعاونٍ أكثر أملًا وبنّاءً.
وقد أسهم هذا التوجّه في تشكيل طبيعة الفعاليّات الأوسع نطاقًا. وتقول السّيّدة دوغال: ”ظلّ النّموذج السّائد لسنوات في اللّجان الرّئيسيّة للأمم المتّحدة واحدًا: متحدّثون رئيسيّون على المنصّة، مع حيّزٍ محدود لتبادل أوسع بين المشاركين.“ وتُضيف: ”سعينا إلى تقديم أساليب مختلفة.“ فقد أسهم ممثّلو الجامعة البهائيّة العالميّة في إدخال مقاربات تشاركيّة، من بينها المشاورات حول الموائد المستديرة، حيث يُتاح لكلّ مشاركٍ أن يُسهم برأيه. وتتابع: ”وتبيّن لنا أنّ أمرًا بسيطًا، مثل شكل الحوار ذاته—من يتحدّث، ومن يُنصت، وكيف يجلس المشاركون—يمكن أن يُحدث تغييرُا في نوعيّة العلاقات الّتي تنشأ ضمنه.“
اقترن هذا الاهتمام بالنهج المتّبع في هذه العمليّة بتعمّق الانخراط في الخبرة المعيشة للمجتمعات البهائيّة في أنحاء العالم. وتقول السّيّدة دوغال: ”لقد أسهمت المجتمعات البهائيّة في تطوّر ورفاه المجتمع منذ نشأتها.“ وتُضيف: ”أمّا ما تطوّر، فهو قدرتنا على الإفادة من هذه الخبرات وربطها بالحوارات الجارية على الصّعيد العالمي.“
وفي سياق الحوارات حول التّنمية، تُشير السّيّدة دوغال أنّ التركيز ينصبّ في كثيرٍ من الأحيان على التّمويل واسع النّطاق، ”غير أنّ المبادرات الأصغر تكون، في بعض الأحيان، هي التي توحّد المجتمعات وتمكّنها من إيجاد حلولها بنفسها“. وتستحضر في هذا السياق استجابة أحد المجتمعات البهائيّة في ميانمار عقب إعصار ”نرجس“، إذ رأى أفراده أنّ الحصول على دعمٍ ماليّ كبير قد يؤدّي إلى التفرّق، فاختاروا أن يطلبوا بذورًا، ”لكي نعيد الزراعة، ونستعيد عافيتنا، ونعيد البناء معًا“. وفي جزيرة تانا في فانواتو، كان الشباب الذين اكتسبوا قدراتٍ تنظيميّة من خلال البرامج التربويّة من أوائل من قيّموا احتياجات المجتمع بعد إعصارٍ مدمّر، ممّا أسهم في توجيه استجابة الجهات المعنيّة عند وصولها.
تُشير السّيّدة دوغال قائلةً: ”في كلّ واحدةٍ من هذه القصص الّتي لا تُحصى حول العالم، يتبيّن أنّ النّاس أنفسهم هم الفاعلون الرّئيسيّون في عملية تنميتهم وتقدمهم. وأنّ التّغيير الحقيقيّ لا ينبثق من جهد طرفٍ واحد، بل من العمل المتناسق الّذي يقوم به الأفراد، والمجتمعات، والمؤسّسات معًا.“
ولعلّ من أبرز التحوّلاتٍ التي شهدتها السّيّدة دوغال خلال عقودها الثّلاثة في الأمم المتّحدة هو ازدياد تقبّل الأبعاد الأخلاقيّة والرّوحيّة للحياة الجماعيّة على الصّعيد العالمي. في هذا السياق تُضيف: ”في السنوات الأولى من عملي في الأمم المتّحدة، لم تكن مفاهيم مثل الرّوحانيّة أو التّنمية الأخلاقيّة مقبولةً في النقاشات، إذ لم يكن يُنظر إليها على أنّها ذات صلة بالحوار.“ وتُضيف: ”وقد شهدنا هذا التحوّل يحدث تدريجيًّا على مدى هذه العقود.“
اليوم، ترى السّيّدة دوغال أنّه: ”أصبح من المألوف بدرجةٍ أكبر أن تتحدث الدّول الأعضاء في الأمم المتّحدة، إلى جانب هيئاتها المختلفة، عن أهمّيّة الأسس الأخلاقيّة، والمعنويّة، والاجتماعيّة، والرّوحيّة الّتي يقوم عليها النّهوض بالمجتمع.“
كما تُشير السيدة راشيل بياني، الّتي عُيّنت كممثّلةً رئيسيّةً جديدةً للجامعة البهائيّة العالميّة لدى الأمم المتّحدة في ديسمبر 2025 عقب تقاعد السّيّدة دوغال، إلى أنّ: ”العلاقات الّتي توثّقت، والثّقة الّتي تعزّزت على مدى هذه العقود، تُشكّل أساسًا راسخًا يُتيح استمرار عمليّة التّعلّم.“
ختامًا تُضيف السّيّدة بياني: ”إنّ المجتمع البهائيّ العالميّ يُنمّي باستمرار فهمًا أعمق للمبادئ، والعلاقات، وأنماط العمل الّتي تُسهم في تحقيق الرفاه الجماعيّ. ومن خلال الاستفادة من هذا الرّصيد المتنامي من الرّؤى، تسعى الجامعة البهائيّة العالميّة إلى مواصلة تعزيز قدرتها على الإسهام بصورة ذات مغزى في معالجة القضايا الملحّة الّتي يواجهها العالم اليوم.“